يقع مطعم دا فيوري في أزقة سان بولو الهادئة، ويُعد أحد أشهر وأرقى المطاعم في مدينة البندقية. كان «دا فيوري» في الأصل أوستيريا متواضعة تقدم وجبات منزلية بسيطة، لكنه تطور على مدار العقود ليصبح مطعماً حائزاً على نجمة ميشلان، ويشتهر بتقديمه لمأكولات البندقية التقليدية بأسلوب راقي. وعلى الرغم من هذا التحول، فقد احتفظ المطعم بأجواء دافئة وحميمة وبطابعه الخاص الذي لا يزال يجذب السكان المحليين والزوار الدوليين ذوي الذوق الرفيع على حد سواء.
يقع المطعم في مكان هادئ على شارع «كالي ديل سكاليتير»، بعيدًا عن المسارات السياحية المعتادة. من الخارج، يبدو متواضعًا — يكاد يكون مخفيًا — ولكن بمجرد الدخول، يُرحب بالضيوف في قاعة طعام هادئة وأنيقة تتميز بإضاءة خافتة، ومفارش بيضاء ناصعة، وإطلالة على قناة صغيرة. وبالنسبة لمن يحالفهم الحظ في الحصول على طاولة بجوار النافذة، فإن صوت موجات الماء الهادئة وجندول الجندول المارة تضيف إلى سحر المطعم الخالد.
تعد قائمة «دا فيوري» شهادة على الثراء culinaire لفينيسيا ومنطقة فينيتو الأوسع. فهي تستمد مكوناتها بعمق من خيرات البحيرة — حيث يُعد سمك القاروس، والحبار، وسرطان البحر ذو القشرة الرقيقة، والروبيان الطازج من أبرز الأطباق الدائمة — والتي تُحضَّر باعتدال وبراعة. وتظهر الخضروات الموسمية من جزيرتي سانت إيراسمو وفيغنولي المجاورتين بشكل متكرر، مما يؤكد التزام المطبخ بالطزاجة والمكونات المحلية.
تشمل الأطباق المميزة sarde in saor (السردين الحلو والحامض)، الذي يُتبل بعناية ويُقدَّم مع البصل المطهو جيدًا والصنوبر والزبيب — وهو طبق كلاسيكي مُعدُّ بإتقان. ويُعدُّ risotto di gò، المصنوع من سمك الجوبي الذي يُعدُّ من الأسماك النموذجية في البحيرة، طبقًا بارزًا آخر يُبرز كلًّا من التقنية والتقاليد. أما أطباق الباستا، مثل «تاليووليني بالحبر الأسود مع الحبار»، فهي متوازنة ببراعة، ولا تطغى أبدًا على حواس التذوق، بل تستحضر جوهر البحر.
قائمة النبيذ مُنتقاة بعناية، مع التركيز على العلامات التجارية الإيطالية، لا سيما من منطقة فينيتو. ويسعد طاقم العمل المتمرس بتقديم اقتراحات لمزاوجة الأطباق مع النبيذ، كما أن الخدمة طوال الوقت لا تشوبها شائبة — فهي يقظة دون أن تكون متطفلة.
ما يميز مطعم «دا فيوري» ليس فقط طعامه الرائع وخدمته الراقية، بل احترامه الثابت للتراث الفينيسي. ورغم أن الأطباق أنيقة وراقية، إلا أنها لا تبتعد أبدًا عن جذورها. لا يوجد أي تكلّف — بل ثقة هادئة والتزام بالحفاظ على روح المطبخ الفينيسي في أجواء طعام راقية.
نظرًا لسمعته الطيبة، فإن الحجز في مطعم «دا فيوري» ضروري، ويُنصح بارتداء ملابس أنيقة. الأسعار مرتفعة نسبيًا، لكن التجربة تبرر التكلفة لمن يبحثون عن مذاق أصيل وراقٍ لمدينة البندقية.
في مدينة غالبًا ما تُنتقد بسبب الفخاخ السياحية والأسعار المبالغ فيها، يظل مطعم «دا فيوري» مثالًا ساطعًا على ما يمكن أن يكون عليه المطبخ البندقي عندما يُعامل باحترام وإبداع. إنها ليست مجرد وجبة، بل احتفال بالمكان والتاريخ والنكهة — تجربة تبقى عالقة في الذاكرة لفترة طويلة بعد تقديم الطبق الأخير.

Features :